ابن عجيبة
498
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : فَإِنْ كُنْتَ يا محمد فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد به : من وقع له شك ، فإن الملك إذا أراد أن يعرض بأحد ؛ خاطب كبير القوم وهو يريد غيره ، فهو كقول العامة : الكلام مع السارية وافهمى يا جارية . وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهو بعيد من الشك ؛ لأنه عين اليقين ، وهو الذي علّم الناس اليقين ، ولذلك قال - عليه الصلاة السلام - لما نزلت : « لا أشكّ ولا أسأل » « 1 » والمراد بالذين يقرءون الكتاب : من أسلم منهم ، كعبد اللّه بن سلام وغيره ، أو فإن كنت أيها المستمع في شك مما أنزلنا إليك على لسان فاسأل . . . إلخ ، وفيه تنبيه على أن من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها ، بالرجوع إلى أهل اليقين إن كانت في التوحيد ، أو إلى أهل العلم إن كانت في الفروع . قال ابن عطية : الخواطر التي لا ينجو منها أحد ، هي خلاف الشك الذي يحال فيه على الاستشفاء بالسؤال . ه . أي : فإنها معفوّ عنها . ثم قال تعالى : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ واضحا لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ : الشاكّين بالتزلزل على ما أنت عليه من الجزم واليقين ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ، وهذا كله يجرى على ما تقدم من أنه لكل سامع . وقال البيضاوي : هو من باب التهييج والتثبيت ، وقطع الأطماع عنه ، كقوله : فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ « 2 » ه . الإشارة : لا تنقطع عن العبد الأوهام والشكوك والخواطر ، حتى يدخل مقام الإحسان ويكاشف بمقام الشهود والعيان ، بالغيبة عن حس الأكوان ، بسطوع أنوار المعاني عند غيبة الأواني ، ومن غاب عن حس نفسه غاب عنه حس جميع الأكوان ؛ وذلك بصحبة أهل العرفان ، الذين سلكوا الطريق حتى أفضوا إلى عين التحقيق ، فزاحت عنهم الشكوك والأوهام ، وانحلت عنهم الشّبه ، وزالت عن قلوبهم الأسقام ، واطلعوا على تأويل المتشابه من القرآن ، فبصحبة هؤلاء ترتفع الخواطر والشكوك ، ويرتفع العبد إلى حضرة ملك الملوك ، فجلوس ساعة مع هؤلاء تعدل عبادة سنين . وفي بعض الآثار : ( تعلموا اليقين بمجالسة أهل اليقين ) قلت : وقد من اللّه علينا بمعرفتهم وصحبتهم ، بعد أن تحققنا بخصوصيتهم ، فلله الحمد وله الشكر . ثم أخبر عمن سبق له الشقاء ، فلا ينفع فيه سؤال ولا صحبة ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 )
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( 11 / 168 ) ، عن قتادة وسعيد بن جبير ، وزاد المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 716 ) عزوه لعبد الرزاق في تفسيره . ( 2 ) من الآية 86 من سورة القصص .